ما أن تنهش أسنان
المنشار جذوع الأشجار حتى تبدأ بالذبول لتصبح حطاما لا حياة فيها، غير أنها تعود
للحياة تتنفس من جديد بين يدي هشام كحيل خضراء تسر الناظرين وهي تحكي عبق الماضي
وتنبض بإطلالة المستقبل.. فكيف يفعلها؟
في ورشته
المتواضعة في أكثر الأحياء اكتظاظا بمدينة غزة, ينفض هشام كحيل (60 عاما) من يديه
بقايا نشارة الخشب، ثم يمسك بأحد المجسمات التي انتهى لتوه من تحويلها من مجرد قطعة
خشبٍ من شجرة "السرو" إلى تحفة فنية تشكلت بين يديه وكأنه بعث فيها روح
الحياة من جديد, تنطق جمالا في أي زاويةٍ توضع فيها.
وحيث يقف
كحيل متأملا تحفته الفنية الجديدة يمتد خلفه جدار يضم عشرات بل مئات القطع الخشبية
الفنية التي نحتها بيديه، كل واحدة منها بشكل مختلف، تحكي حكاية مختلفة عن
نظيرتها، وكأنها اختصرت تاريخا طويلا، في ورشة لا تتعدى مساحتها 50 مترا مربعا.
من النجارة إلى الفن
درس هشام
كحيل بالمعهد الفني "قسم الأخشاب" وتخرج منه عام 1976, في ذلك المعهد
استطاع أن يتعرف إلى كافة الأساليب التي يستطيع من خلالها بث الجمال في الأخشاب
بالطريقة اليدوية إلى جانب تعلمه على جميع الآلات التي تستخدم في الصناعات الخشبية
آلياً.
يقول كحيل:
"بعد تخرجي وكعادة أي شخص يبحث عن الرزق السريع, قررت العمل في صناعة الأثاث,
أما صناعة المجسمات فقد كانت بعيدة كل البعد عن تفكيري".
يضيف: "كانت
صناعة الأثاث تدخل عليّ ما يكفي لحياتي وأطفالي بهناء, حتى عام 2008, وتوقف الطلب
على أثاثي بشكل شبه نهائي".
في عام
2008 كان أول عدوان إسرائيلي على قطاع غزة استمر 21 يوما, ما أدى إلى هدم الكثير
من البيوت والأثاث, وضياع أموال الناس, ما جعلهم يفكرون بعد انتهاء العدوان في إيجاد
مأوى لهم دون تفكيرهم بشراء الأثاث, كان جل هم الناس في القطاع إعادة الإعمار,
غاضين النظر عن كل الأمور الجمالية على اختلاف أهميتها.
يحدث كحيل
عن تلك الفترة العصيبة في حياته ويقول: "كدت أعلن إفلاسي في ذلك الوقت,
وتراكمت الديون عليّ وأثقلت كاهلي, ولم أجد بديلًا يعينني في الحياة عن الخشب سوى
الخشب".
يشرح كحيل
مقولته الأخيرة في أنه فكر باستخدام ما تعلمه في الكلية الفنية عن المجسمات
الخشبية, بالرغم من أنه لم يكن متأكدًا من أن الناس قد يرغبون بها إلا أنه قرر
المحاولة, لأنه اعتقد أن سعر المجسم المتدني قد يجذب إليه أي شخص, فقد اعتقد في
ذلك الوقت أن المجسمات في متناول الجميع.
صناعة الآلة يدوياُ
وعلى
الرغم من أن المجسمات التي نوى صناعتها هي يدوية بالكامل, إلا أنه كان يحتاج إلى
إحدى الآلات التي تستخدم في تثبيت القطع الخشبية عليها ودورانها ليستطيع أثناء ذلك
الدوران تشكيل القطعة بالشكل الذي يريده.
يقول كحيل:
"تلك الآلة لم تكن موجودة في القطاع نظراً لندرة الصناعات التي تحتاج إليها,
ما استدعى قيامي بجمع القطع اللازمة لها وتركيبها بهذا الشكل الموجود أمامك".
يضيف:
"كل القطع المستخدمة في هذه الآلة هي قطع جمعتها كمن يجمع من كل قطر أغنية,
فجلها لا علاقة لها ببعضها, فالمحرك من السيارة, والقاعدة من صناعتي, واليد من
إحدى الآلات الضخمة, باستثناء القطعتين المسننتين اللتين تحملان القطع الخشبية،
فقد اشتريتهما بتكلفة عالية لأجل الآلة".
ويحدث
كحيل عن أهم جزء في الآلة وهي الأزاميل باهظة الثمن, التي هي أساس العمل اليدوي في
صناعة الأخشاب، والتي يعد استخدامها صعبًا بما فيه الكفاية ليجعلك تعاني من شدة
التركيز, هذه الأزاميل يتنوع استخدامها بناء على شكلها، ليسهم كل نوع من أنواعها
بصناعة تحف خشبية ملفتة للأنظار.
الدفعة الأولى
بعد مرور
فترة من الوقت تمكن كحيل من تجميع أول دفعة من تحفه الخشبية, ولشدة إعجابه بها نذر
على نفسه عدم بيعها والاحتفاظ بها في ورشته بعد ترتيبها على إحدى الحوائط. تلك
التحف كانت عبارة عن آنية لشرب الماء, وأوعية قد تستخدم في المطبخ وقد تنصب كتحف
في نفس الوقت, بالإضافة إلى معلقات خشبية تستخدم لتزيين السقف, ومدافع رمزية, وما يلفت
الانتباه هو آلة ضرب البوظة, التي كانت تستخدم في قديم الزمان في صناعة ألذ أنواع
البوظة.
ومع وجود
الكثير من الآلات لخفق البوظة والمثلجات إلا أن الآلة الخشبية لضرب البوظة - التي
تبدو كمضربٍ لـ "الجولف" - لم تندثر، ومازال الكثير من محلات صناعة المثلجات
المشهورة تستخدمها, ويعتبر وجودها في المحل عاملا لجذب الناس إليه, نظرًا إلى
الطريقة الفريدة في إنتاج البوظة من خلالها.
شهرة الحائط
على الرغم
من أن جميع من دخل ورشة كحيل ما بعد عام 2008, شدهم كثيرًا حائط التحف الفنية إلا
أن ذلك الحائط لم يشتهر إلا في الآونة الأخيرة, بعد قيام ابنته هبة بإنشاء صفحة
خاصة لأبيها على موقع التواصل الاجتماعي "انستغرام".
تقول هبة:
"قلت لأبي عن نيتي إنشاء حساب باسم ورشته على "انستغرام" ثم قمت
بتصوير الحائط ووضعت صورته في الحساب".
تضيف:
"بعد عودتي إلى الحساب مرة ثانية بعد مدة لا تتجاوز 24 ساعة وبدون أي جهد مني
أو محاولة لإضافة أشخاص على الحساب وجدت حوالي 400 متابِع والكثير من الرسائل التي
تبدي إعجابها بالحائط, والكثير من المصورين الراغبين بتصوير خاص للورشة".
تتابع:
"بعد ذلك أصبح أبي لا يجد وقتًا لنفسه في الورشة لشدة ازدحام جدوله وتهافت
الناس لرؤية الحائط. ونظرًا إلى شكل الحائط الذي يحمل عبقًا من التاريخ, ازداد
انتباه الناس إليه, فنحن شعب يتعلق بكل ما يشير إلى تاريخه وأصالته".
طاقة إيجابية
ويعتقد كحيل
بوجود طاقة إيجابية داخل الخشب تجلب له السعادة, فهو يحس بها طالما أن قطع الخشب
بين يديه, ويؤكد أن الراحة والسكون دائمًا ما تعمر قلبه أثناء تجميله للأخشاب, حتى
أنه وبعد انتهاء القطعة الخشبية يشعر بأنه قد أضاف جمالاً جديدًا إلى الحياة, وقد
وصل به الأمر إلى استغنائه عن بيع الكثير من قطعه الخشبية بسبب تعلقه بها, فهي طالما
وجدت أمامه دون الاستفادة منها أهون عليه من بيعها, فهو يعتبر تحفه الخشبية كقطع
من روحه.
من حائط إلى مزار
يقول كحيل:
"بعد تلك الضجة التي أحدثها جداري الفني, وما أدركته من أن كل ما هو تاريخي
وأصيل سيجذب انتباه الناس, أقوم حاليا بدراسة الجدوى لإنشاء مزار في أحد الأماكن
الخضراء في قطاع غزة".
ويشرح
كحيل فكرته: "أفكر بعدما أجد ذلك المكان, أن أقوم بعمل بيت زجاجي بداخله وفي
المكان الأخضر سأجعل جلسات خاصة بالعائلات, وأفكر بإحاطة المكان بأربع جدران
تمامًا كجداري المشهور هذا".
يضيف: "وأنا
داخل البيت الزجاجي سأقوم بممارسة عملي في التحف والناس من الخارج ستتابعني أثناء
ذلك, بالإضافة إلى أنني سأعمل على تجهيز المكان بكل ما يحتاجه الناس أثناء تواجدهم
من طعام وشراب".
تلك الفكرة،
وكما يقول كحيل لاقت تشجعياً من كل أفراد عائلته, وعلى وجه الخصوص زوجته التي تلح
عليه دائمًا من أجل المضي قدما في الفكرة وألا يتكاسل عنها, مشيرا إلى أن مرحلة
دراسة الجدوى انتهت تقريبًا، وأن الفكرة ستدخل خلال الأيام القادمة إلى مرحلة
التنفيذ.
تعليقات
إرسال تعليق